النويري
119
نهاية الأرب في فنون الأدب
الكلاب خلفه ، وتبعها فرس المهدى فدخلها ، فدقّ الباب ظهره فمات من ساعته . وقيل : بل بعثت جارية من جواريه إلى ضرّة لها بلبن فيه سمّ ، فشرب منه فمات . وقيل : بل عمدت جاريته حسنة إلى كمثرى ، فأهدته إلى طلة « 1 » جاريته الأخرى ، وجعلت السمّ في أبهى كمثراة فيه ، فاجتاز بالمهدى فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها ، فلما وصلت إلى جوفه صاح ومات منها ، فكانت الجارية تقول في بكائها عليه : أردت أن أنفرد بك فأوحشت نفسي منك ؛ ومات في يومه وصلَّى عليه ابنه الرشيد ، ومات وله من العمر ثمان وأربعون سنة وقيل ثلاث وأربعون ، وكانت مدة خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يوما ، ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها . وكان أبيض طويلا وقيل أسمر ، حسن الوجه بعينه اليمنى نكتة بياض . ذكر شئ من سيرته وأخباره كان جوادا حازما وصولا يباشر الأمور بنفسه ، وكان كثير الولاية والعزل لغير سبب ، وردّ على الناس الأموال التي أخذها أبوه . وكان إذا جلس للمظالم قال : أدخلوا علىّ القضاة ، فلو لم يكن ردّى للمظالم إلا للحياء منهم . وقال الحسن الوصيف : أصابتنا ريح شديدة أيام المهدى حتى ظننّا أنها تسوقنا إلى المحشر ، فخرجت أطلب المهدى فوجدته قد وضع خدّه بالأرض ، وهو يقول : اللهم احفظ محمدا في أمّته ، اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم ، اللهم إن كنت أخذت هذا العالم بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك ؛ قال فما لبثنا إلا يسيرا حتى انكشفت الريح وانجلى ما كنّا فيه . قال الربيع : رأيت المهدى يصلى في ليلة مقمرة ، فقرأ قوله تعالى : * ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ) * « 2 » ،
--> « 1 » لم يذكر اسمها ابن الأثير في الكامل ولا الطبري في تاريخه . « 2 » سورة محمد آية 22 .